الشيخ محمد الصادقي

327

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

57 - وَتَاللَّهِ الذي لا إله إلا هو لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ الآلهة بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا عني مُدْبِرِينَ إياي وبلدكم يوم عيدكم ، تهديدا حديدا جاهرا أمام جموعهم ، كما " فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ " ( 37 : 89 ) كما أوعدهم . 58 - فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً قطعا مكسورة مفتّتة إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ سائلين من فعل هذا بآلهتهم . 59 - فلما رجعوا إلى معبد الأصنام قالُوا بينهم أنفسهم أو لكبيرهم مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ حتما لا مردّ له لَمِنَ الظَّالِمِينَ إذ ظلم الآلهة حيث جعلهم جذاذا ، وظلمنا إذ جذ قلوبنا بما جذهم . 60 - قالُوا بأجمعهم سَمِعْنا فَتًى شابا له فتوة الرأي الصامد يَذْكُرُهُمْ أنه يكيدهم يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ مهانة وإهانة إياه ، وإلا ف - اسمه إبراهيم - دون ابتعاد عن ذكره باسمه . 61 - قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ المشركين لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ من هذا الجرىء الذي فعل هذا بآلهتنا ، إذ لا يجرأ عليه إنسان كعادة لأنهم آلهة . 62 - قالُوا أَ أَنْتَ الضعيف الضئيل فَعَلْتَ هذا الهتك الفتك بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ الذي رأينا فيك . 63 - هنا لا يصارح بما فعله لعلهم إليهم يرجعون ، ليّا بتورية قالَ بَلْ كما هو طبيعة الحال في شركاء متشاكسين فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا تفردا بألوهية فَسْئَلُوهُمْ عن ذلك و " فَعَلَهُ " إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ كما " فَسْئَلُوهُمْ - إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ " ، فكلا الفعل والنطق مما يهيئ جوّ ذلك الفعل ، فلم يكذب إبراهيم إذ لا نطق ولا سؤال ، ولم يكن " فَعَلَهُ " و " فَسْئَلُوهُمْ " إلا بشرط " إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ " . 64 - فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فطرهم وعقولهم بعد إذ تباعدوا عنهما فَقالُوا في أنفسهم وفيما بينهم إِنَّكُمْ أَنْتُمُ لا إبراهيم الظَّالِمُونَ أنفسكم والحق الحقيق بالاتباع . 65 - ثُمَّ بعد ذلك الرجوع نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ عند أنفسهم تباعدا دون إختيار ، فقالوا لإبراهيم لَقَدْ عَلِمْتَ من ذي قبل ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ فأرجعتنا إليها : " فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ " . 66 - فأجابهم إبراهيم بعد ذلك الاعتراف العرّاف أ قالَ فبعد هذا الاعتراف فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما الشيء غير العاقل ولا الفاعل إذ لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً إن تعبدوه وَلا يَضُرُّكُمْ إن لا تعبدوه ، تنديدا شديدا مديدا باعترافهم " ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ " . 67 - أُفٍّ لَكُمْ عابدين وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ معبودين أَ فَلا تَعْقِلُونَ تميّزا للنافع الضار عن غيره ، وللإله عن المألوه ، والمألوه عن الإله . 68 - قالُوا بعد ما وجموا اعترافا من أنفسهم ، حفاظا على تقاليدهم العمياء ، حين كلت حجتهم حَرِّقُوهُ كما حرقنا بما فتك بآلهتنا وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ المهتوكة إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ فعلا ، بعد ما كلّت ألسنتكم قولا : " قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ " ( 37 : 79 ) . 69 - فلما ألقوه في الجحيم قُلْنا يا نارُ كُونِي أمرا تكوينيا بَرْداً وَ لكنه سَلاماً حتى لا يتجمد ببردها عَلى إِبْراهِيمَ فقط ، لا سواه ، وليس " كُونِي " إلا ل " بَرْداً وَسَلاماً " فإن عدم حرقها يكفيه عدم إرادته له ، إذ لا مؤثر إلا اللّه . 70 - وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً بما كاد آلهتهم فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ مما كانوا قبل إلقائه ، إذ فقدوا حجة القوة بعد افتقادهم حجة البرهنة . 71 - ولا فقط ، بل وزيادة وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً من الأراضي النمرودية إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وهي فلسطين القدس لِلْعالَمِينَ لأن القدس هي إحدى القبلتين مهما كان مؤقتا في بداية الهجرة إلى المدينة كما فصلناه في البقرة . 72 - وَوَهَبْنا لَهُ بعد إسماعيل بكر ولده إِسْحاقَ وَ " من وراء إسحاق " يَعْقُوبَ نافِلَةً زائدة على الوهبة الشخصية ، ووهبة إسماعيل لسؤال : " رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ " ( 37 : 39 ) وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ - :